في أيام صباي الأولى ولهوي البريء رأيته وأنا في حالة دهشة وانبهار.. أول مرة رأيته فرأيت فيه آية من آيات الزمان ..كنت غراً طريراً فشطح بي الخيال إلى أساطير الجن التي كنت أسمع عنها عند الكبار . إنه لأمرٌ غريب ..بيتُ من دورين وفي وسطه سُلُم.. كان مشيداً من الطين الخالص "جالوص" ..كنت أتردد إليه مع رفاق الصبا كلما قادتني قدماي إلى بيت جدي البشير ود أبو الفتح ..كنا نغافل جدنا حاج خوجلي محمد أحمد فنتسلل خلسة إلى داخل ذلك البناء العجيب .. تأخذنا الحيرة والغرابة ونحن نرقى درج السُلم ثم سرعان ما نبادر بالهبوط ..نتدافع طلوعاً ونزولاً..ونكتم الضحكات في دواخلنا خشية أن يسمعنا جدنا خوجلي .. كنا نخاف منه جداً.. لكن كنا نخشى انقطاع متعة الصعود والهبوط على السُلُم أكثر منه ..وإذا شعرنا بوجوده نتسلل خلسةً من تلك القلعة الحصينة،لكن سرعان ما نغافله ونعاود ..
هكذا مرت بنا الأيام ..وظللنا على هذا النحو لا يهمنا من أمر ذلك البيت السحري الغريب سوى أنه مرتع لهوٍ خصيب،ولا يعنينا منه شيء غير ذلك السُلُم المثير.
بعد أن شببت عن الطوق قليلاً بدأت اسمع عن صاحب هذا البيت السحري الغريب بعضاُ من الروايات،وكنت أحسب وقتئذٍ أن هذه الروايات هي ضربٌ من الأحاجي،إذ لا كبير فرق عندي بين البيه محمد ود بساطي ومحمد ود السلطان ولا بين آمنة بنت بساطي وفاطمة أم حجل .
سمعت وأنا في سن الثانية عشر تقريباً "القسم ود حاج الفاضل" يدندن ويتغنى بأبياتٍ من الشعر الشعبي تحكي شيئاً عن شجاعة بطل أسطوري ،فما كنت احسب وقتئذٍ أن هذه الأبيات ذات علاقة بشخصٍ محدد عيناً وذاتاً وإنما كنت أحسبها من ضمن الميراث الشعبي العام الذي يتحدث عن قيم الشجاعة والكرم وغير ذلك من المآثر ،ومطلع هذه الأبيات:
غير خالد ما ليك تنين ** وعرش دود الأربعين
السيل بوبا ..يا الفوتك مو دا حين

وبعد أن بلغت مبلغ الرجال سمعت عبد الكريم الكابلي يتغنى بذات النص الذي سمعته عند "القسم ود حاج الفاضل" في أيام صباي الأولى،وعلمت أن أغاني التراث التي يتغنى بها الكابلي من مثل "الشيخ سيرو " " ولويعة أم لبوس" " وخال فاطنة " وغيرها تخص أبطالاً حقيقيين عاشوا بيننا وأكلوا الطعام مثل ما نأكل ولم يكونوا شخصيات خرافية محلها محض الخيال ،لما علمت ذلك بدأت أسال كبارنا عن أغنية غير "خالد ما ليك تنين"،وكان أول من سألت والدي فبادر يحدثني عن شخصية البيه صاحب هذه الأغنية الخالدة ،وقال :
" محمد ود بساطي كان ضابطاً كبيراً في قوة دفاع السودان على أيام الاستعمار وقد منحته حكومة الحكم الثنائي نياشين البيه،وأردف قائلاً: إنها درجة شرف دون الباشوية مباشرةً،حينها انفتحت في ذهني أسئلةٌ كثيرة عن هذا الرجل ،ما نسبه؟ وما تعليمه؟ وما هي المواقف التي جعلت أخته تتغنى بشجاعته وكرمه ونبل أخلاقه..إلخ ؟
قرأت في كتاب ما وراء النهر لتشرشل أن الزبير باشا قاتل في سيبيريا في الحرب العالمية الأولى باسم قوة دفاع السودان تحت القيادة الإنجليزية، وقد علا نجمه وسمت مكانته بعد انتهاء الحرب.
هذا السمو أخاف الإنجليز منه فتم نفيه إلى ضنجا بالمغرب ثم بعد ذلك فرضت عليه الإقامة الجبرية بمصر.، أوردت ذلك لأن والدي حكى لي أنهم وهم وفي أيام الشباب الأولى سمعوا أن محمد بساطي قد فرضت عليه الإقامة الجبرية أيضاً في مصر مدة طويلة من الزمن وأنه كان متحفظاً به مع الزبير باشا والعجب ود اب جن " ناظر عموم قبائل رفاعة" وحكى لي أنه رأى البيه محمد بساطي،ووصفه بأنه كان رجل كثير الصرامة لا يتحدث إلا قليلا.
وفي سبيل الإلمام بشيء من سيرة هذا الرجل سألت جدي أيوب ود إبراهيم ود يعقوب عن "غنوة " غير خالد ما ليك تنين " فقال لي :هذه "شكرة" وردت على لسان شقيقة البيه،وأحسب أنه قال إن اسمها آمنة.
"غير خالد ما ليك تنين ** عرَش دود الأربعين
السيل بوبا**يا الفوتك مو دا حين -
أي أن فوته قديم وليس جديداً في هذا الحين"
جاء في القصيدة قولها :
أبوك بساطي القبيل ** تبراهو الشعبة والجنزير
ختى كرسيهو للعديل ** وكورك قال يا غفير
السيفو بدلي الجفير
العاداك وين يطير **شقياً صادف نكير

وجاء في الغنوة أيضاً ما يؤكد على عمله في قوة دفاع السودان على أيام الحكم الثنائي :
تغني ليك ظبية الحدر **ما بنبلع في أصلو مر
المكن تحتو بيكاكي ** والمدفع فوقو بيخر
لا بيخاف لا بيتر ** قدام العينيهم خضر " أي الإنجليز"

لكن المفارقة أن بعض الشانئين نسبوا إليه قتل السلطان علي دينار ،وقالوا أنه أطلق عليه النار من بندقيته،مع أنه كان من ذلك براء ،والدليل على براءته من دم السلطان أنه هو نفسه اعتقل وفرضت عليه الإقامة الجبرية بسبب نشاطه السياسي ضد الإنجليز شأنه في ذلك شأن علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ الذين لم يمنعهم انتماؤهم إلى قوة دفاع السودان عن مقاومة الاستعمار.
تغنت أخته ببطولته فقالت:
" تغني ليك أم مهاني ** ويشهدوا أهل المعاني
نظيفاً خاتي قولة الشاني ** وكتل ديلاك خبرو جاني

الشانئون هؤلاء حرفوا وبدلوا في النص ،فبدلاً من الشطر " كتل ديلاك خبرو جاني" زيفوا شطر البيت فجعلوه " كتل دينار خبرو جاني" ،وفات عليهم أن تاريخ علي دينار ليس بالبعيد ولم يكن الرجل بالمجهول حتى يجري عليه هذا التزييف على هذا النحو الساذج، فالمحققون في التاريخ السوداني كلهم مجمعون على أن الإنجليز استخدموا الطائرات لأول مرة في أفريقيا ضد السلطان علي دينار وأجلوه من الفاشر في 24 مايو 1916م ، فانسحب السلطان علي دينار فاراً بأهله وبعض حرسه نحو جبل مرة وهناك أغتيل –وهو يؤدي صلاة الفجر-على يد أحد أتباعه الأمر الذي ينفي تهمة قتله عن البيه ،اللهم إلا إذا كان هذا البيه هو أحد أتباع السلطان علي دينار وهو أمرٌ يخالف الواقع. "2"
هذا ما توافر لدي عن البيه محمد بساطي ،ولا تزال الأسئلة مشرعةً في حق هذا الرجل فهل من مجيب؟.
حواشي:
1- لا يهمني كثيراً أن ينسب البعض البيه محمد بساطي إلى قرية السريحة أو البشاقرة الغربية وإنما الذي يعنيني أنه نشأ وترعرع ونال شهرته كلها في قرية التكينة وأن له بها الآن أسرة ممتدة.
2- أنظر تاريخ دارفور عبر العصور لأحمد عبد القادر أرباب – الخرطوم 1998م.




بقلم : الخليفة محمد الطيب السمري

Share/Save/Bookmark

التعليقات (1)

RSS خاصية التعليقات
...
0
مشكووووووووووووووووور يا الخليفة ......على هذا البحث ..وربنا يزيدك من علمه smilies/wink.gifsmilies/wink.gifsmilies/wink.gif
محمد ابراهيم ودرحمه , January 13, 2012

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

احدث الفيديوهات

قنوات سودانية

 

 

صحف سودانية

     

     

      

      

     

     

 

 

                                          

Vinaora Visitors Counter

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم35
mod_vvisit_counterالأمس223
mod_vvisit_counterهذا الأسبوع917
mod_vvisit_counterالأسبوع الماضي1279
mod_vvisit_counterهذا الشهر3821
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1625
mod_vvisit_counterكل الأيام5446

المتصلون في ال20 دقيقة الماضية: 7
الآي بي الخاص بك 38.107.179.217
,
اليوم: 23 شباط, 2012