بسم الله الرحمن الرحيم
لا أريد الخوض في تاريخ هذا الرجل القامة بأفكار ٍ فطيرة غير محققة ،إلا أني أقول إنه لمن المتواتر بين كبارنا – جيل والدي ومن قبله – أن المسجد العتيق بالتكينة كان في يومٍ من الأيام منارة علمٍ للقاصدين ومورد معرفة يدلف إليه الناس من كافة أنحاء السودان لينهلوا من علومه القرآنية والشرعية نهلا،هذا المسجد لم يكن مجرد مكان تؤدى فيه الصلوات الخمس وكفى وإنما كان "مسيداً جامعاً" والمسيد الجامع هو في حقيقته مؤسسة اجتماعية شاملة تتوفر فيها البلغة والمسكن لطالب العلم ولابن السبيل على السواء،ويتوفر فيها العلم لمن أراده بل ويتوفر فيها العلاج لمن عانى من الأزمات النفسية وتقلبات الحدثان ،مؤسسة اجتماعية جامعة،ومنها كلمة جامع بمعنى الشمول ،هكذا كان المسجد العتيق.
لا أنسى في هذا الصدد -عندما كنت طالباً لدى شيخنا الفكي عبد الحي عليه رحمة الله- لا أنسى أثار المسجد القديم وأعمدته الطينية وكيف أننا كنا نتخذ منه مقراً لإنضاج بليلة الأربعاء ،فهو مسجد شيد من الطين الخالص وكل أعمدته شيدت من الطين كذلك مع أنه كان من السعة بمكان، وأذكر أنه كانت من حوله بقايا مباني متهالكة شيدت هي الأخرى من الطين علمت أنها كانت تتخذ سكناً لطلاب العلم وأبناء السبيل ممن تتقطع بهم الأسباب ،اذكر هذا جيداً،وقد أردت بإيقاف القارئ على هذه الأطلال أن أدلل على أن هذا المسجد كان في يومٍ من الأيام يضاهي مسيد ود عيسى ومسيد كترانج وإنه وإن كان أحدث منهما ولاحقٌ عليهما إلا أنه أعرق من مسيد أم ضبان وود الفادني "شرق" والشيخ أبوقرون ،ذلك أن مؤسس مسيد أم ضبان "الشيخ العبيد ود بدر"عاش على أيام الإمام المهدي عليه السلام وود الفادني والشيخ أبوقرون فروعٌ تابعة له في الطريقة القادرية، بينما مسيد التكينة ومسجدها العتيق سابق على ثورة الإمام المهدي بدلالة أنه من المتواتر أن المهدي نفسه مرَّ بالتكينة طالباً للعلم إلا أنه لم يقم فيها . "أي أنه مر َّ بها قبل أن يدعي لنفسه المهدية ويشتهر أمره بين الناس"
ومن المرجح عند أغلب أهل المنطقة أن هذا المسجد العتيق واشتهاره بنشر العلم والمعرفة كان السبب المباشر في إطلاق عبارة " يا طالب العلم إلى أين ** إلى بلدٍ يقال لها التكينة"،ذلك أن مسيد التكينة كان عامراً بطلاب العلم ونار قرآنه كانت متقدة تعانق أسباب السماء حتى قبل أيام الإمام المهدي وقد استمر هذا الإشعاع العلمي ينبثق من التكينة ويعم الأرجاء دهراً مديداً، ولا زال شهود اتقاد نار القرآن في المسجد العتيق يمشون بيننا أحياءً على قدم وساق ،فلله در من قاموا على هذا العمل الصالح ،ولله در من بذلوا أنفسهم في سبيل أن تبقى التكينة منارة من منارات الإشعاع العلمي. ومن هؤلاء الفكي حمد الملقب بالقصير1.
عذراً عن هذه التوطئة وعفواً لهذا الاستطراد ،فما قصدت به إلا أن يكون صوى طريقٍ سالكة لطرح أسئلةٍ جالت في ذهني زمناً طويلاً عن شخصية الفكي حمد وقد أردت التوسل بهذا الاستطراد إلى كل أهل التكينة وإلى كل من عنده أثارةً من علم أن يدلي بدلوه لكشف القناع عن هذه الشخصية العلمية الفذة،فمن هو الفكي حمد هذا الرجل الذي ذاع صيته في كل البلدان ولا نعرف نحن عنه شيئاً مع أن دمه الطاهر الشريف يجري في عروق البعض منا؟ ما نسبه؟ وكيف كانت نشأته؟ على من تتلمذ؟ ومن الذين تلقوا العلم عليه،كراماته...إلخ؟،إنها لأسئلة مهمة تنتظر الإجابة من كل من له انتماء لهذه القرية الجليلة؟.
في صدر هذا المقال قلت لا أريد الخوض في تاريخ هذا الرجل بأقوال فطيرة غير محققة ،ذلك أن المعرفة العلمية المنظمة توجب على الباحث في أي مجال من مجلاتها أن يأخذ بأسباب البحث وأدوات التحليل التي خبرتها البشرية واتخذتها وسيلة يتوصل بها إلى الحقيقة العلمية،وإلا فإن الكلام بغيرها يصبح غير مسئول،فللتاريخ أدواته في تحليل المعلومة وغربلة الوقائع لمعرفة ما هو مطابق للواقع وما هو بخلاف ذلك،لكن الذي ينقصنا في هذا الصدد ليس الأداة والوسيلة وإنما تنقصنا المعلومة نفسها ولو كانت ضرباً من الأساطير،فالفكي حمد ظل يكتنف تاريخه الغموض مع أننا شاهدنا بعضاً من الذين عاصروه ،شاهدنا بعضهم في عمر التسعين ،وهم رأوه في طور صباهم في أيام طفولتهم الأولى،فما الذي جعل تاريخه مجهولاً وهو منا بهذا القرب الزماني؟.
إنني في هذا الصدد لا أزعم أني أملك معرفةً بتاريخ هذه القامة العلمية ولا أدعي أني أملك جواباً على الأسئلة المهمة التي طرحتها فيما سبق حول هذه الشخصية وإنما فقط حفزني حب الاستطلاع - وأنا أسمع عن هذا العلم الشامخ – إلى أن أسعى إلى جمع بعض المادة العلمية حول هذا الرجل ،فقصدت بهذا المقال المقتضب أن ألفت الأنظار إلى هذا الجبل الذي جهلناه وأردت أن أحفر ولو قليلاً في سفحه الأدنى عسى أن أظفر ولو بذراتٍ تحوي شيئاً من معدنه النفيس ،أردت بهذا المقال أن أطلب المعونة من كل من له معرفة أو مادة عن هذه القامة العلمية عسى أن يكون في ذلك ما يساعد على التوثيق لتاريخ هذا الرجل بصورة تتفق مع الحقيقة،فلنعترف أننا أهل التكينة ظللنا نتعامل مع هذه الشخصية الفذة مثل ما نتعامل مع طائر العنقاء تماماً.كلمة نتناقلها بيننا لكن لا نعرف لها معنى سوى أنها رمز لعلمٍ طمر في ميتاتاريخنا "الفكي حمد" ؟
إنني كما ذكرت سابقاً لا أدعي عنه معرفة يقينية موثقة فأنا لا زلت أتعثر في سبيل الإمساك بطرف الخيط الذي يوصل إلى حقيقته ،ولا زلت ارتاد المجهول بهدف الكشف عن هذا العلم الشامخ الذي عمت شهرته أرجاء البلاد .
ولا أذيع سراً في هذا المقام إن قلت إنني قد حزَّ في نفسي جهالتي بهذا الرجل القامة وبلغ مني الحرج مبلغه حين سألني الأخ الأستاذ/ عثمان الخليفة يوسف بدر – وهو من المهتمين بتوثيق تاريخ رجال العلم وشيوخ الصوفية في السودان – وطلب مني تلخيصاً لسيرة الفكي حمد "القصير" ،نسبه ،نشأته ،على من تلقى العلم، من أشهر الذين تلقوا العلم على يديه ..إلخ؟،طلب مني ذلك حال كوني من أهل قرية التكينة،صدقوني لم أحر جواباً مع أنني تعلمت فك الحروف والكتابة في المسجد الذي باشر فيه هذا العالم الجليل التدريس والفتوى،ومع أنني لم انقطع عن صلاة الجمعة في هذا المسجد إلا بعد أن كتب الله عليَّ النأي والرحيل من بلدٍ ظلت ذكراها العطرة تجول في خاطري ليل نهار.
إن الذي أعرفه عن الفكي حمد قليل جداً وهو مجرد شاردات جاءت عفو الخاطر على فيه جدي الشيخ الطيب السمري،ولم أكن وقتئذٍ أهتم لهذا الموضوع،ومما ذكره جدي عليه رحمة الله أن الفكي حمد كان رجلاً ورعاً تقياً ،صوفياً في طريقته ،زاهداً في الدنيا ،شغوف بالعلم إلى درجة التفرغ، سمعت جدي يتحدث إلى بعضٍ من الملتفين حوله أنه في مرةٍ من المرات جاء رجل إلى الفكي حمد يستفتيه في مسألة تتعلق بالطلاق فلم يحر لها الشيخ جواباً،وقال للسائل الله أعلم ،لكن مُر علينا بعد ثلاثة شهور ، قال جدي: وعند الصباح فاجأنا الشيخ بالترتيب للسفر، فركبنا معه الدواب وحملنا بعضاً من الزاد وضربنا في بلاد الله نبحث عن حلٍ لهذه المسألة العويصة ،إلى أن وجد الشيخ ضالته عند رجل فقيه له مسيد بالقرب من القضارف "هكذا لم يسمه".
سمعت من جدي أيضاً وهو يتحدث إلى من هم حوله أنه كان تلميذاً صبيا لدى الفكي حمد ،وأنه صادف أن تعدى الناظر حسن ود عامر على أراضي تخص مسيد التكينة – هذا الكلام طبعاً قبل مشروع الجزيرة – وأن هذه الأراضي كانت تزرع مطرياً وأن حصادها كان هو مؤونة طلبة العلم في المسجد العتيق، قال جدي فقال لنا الفكي حمد حيا إلى الجهاد،فأخذنا عُددنا وما توفر لنا من سلاح "سيف ،عصا وشيء من هذا القبيل"، وعند وصولنا إلى الأرض محل النزاع فوجئنا بأن الناظر ود عامر أحضر معه عدداً من الجنود الأتراك فحاولنا المقاومة لكن ألقي القبض علينا جميعاً وأودعنا السجن في مركز الكاملين ،قال جدي: رأيت كرامةً بعيني للفكي حمد ،أنه عندما يأتي موعد الصلاة يقف أمام باب الحراسة ويؤذن فتنفتح أقفال الباب ثم نخرج ونصلي ونرجع معه ،قال إن الجنود خافوا من ذلك ،فأصبحوا يخرجوننا وقت الصلاة وأن المأمور جاء مرةً ووجدنا على هذا الوضع فانتهر الجنود فقصوا عليه القصة فلم يصدق إلا بعد أن رأى ما جرى بأم عينيه ،قال،فأكرم الفكي حمد وأطلق سراحنا جميعاً.
سمعت من جدي أيضاً قوله : إننا كنا في صلاة المغرب يؤمنا الفكي حمد فأتي رجلٌ سائحٌ غريب ،فوجدنا في الصلاة وصلى معنا، فلما فرغنا من الصلاة التفت إليَّ قائلاً " مالو شيخك كأني به ينظر إلى الكعبة ويصلي" ،قال فسمع الفكي حمد كلامه،وأنصرف الرجل إلى الراحة في الخلوة ،فقال لي الفكي حمد لماذا لم تقل له "عليَّ الطلاق شيخي ينظر ويشوف الكعبة ثم بعد ذلك يصلي". هذا ما سمعته من جدي نقلته كما هو،ولا تصرف إلا في صياغة العبارة بالفصحى بدلاً عن الدارجة.
لا شك أن مثل هذه الوقائع التي حكاها كبارنا عن هذا العلم الشامخ ،لا شك أنها تغري بتحقيق تاريخ هذا الرجل والبحث فيه، فأنا ما أردت بهذا المقال المقتضب إلا أن ألفت النظر وأحاول فتح كوةً في هرمٍ شامخ عسى أن يكون ذلك حافزاً إلى البحث عن تاريخ رجل ازدهر في عهده المسجد العتيق حتى أصبح قبلة لطلاب العلم من شتى أصقاع البلاد،وأناشد في هذا الصدد كل من لديه وثيقة أو معلومة عن هذا الرجل القامة أن يجود بها خدمةً للحقيقة وللتاريخ.
ولا يفوتني أن أوجه النداء إلى الذين آلت إليهم تركة هذا المسجد العتيق أن يجهدوا أنفسهم ولو قليلاً في سبر أغوار هذه الشخصية العلمية الفذة فنحن نرى الآن الأمم تنقب عن أمجادها في تاريخ عفى عليه الزمن واستغرقته ألافُ ألافٍ من السنين،فأجدر بنا نحن أن نبحث في هذا التاريخ القريب الذي ما زالت بعض أطلاله باقية.. وفي الأمثال الشعبية " من نِسى قديمو تاه" "والما عندو قديم ما عندو جديد".
هذا ما عنَّ لي وما وددت أن أقوله بصدد هذا الرجل القامة "الفكي حمد" .
هامش:
1- لم أقف على اللقب "القصير" إلا عند أخينا عثمان الخليفة يوسف بدر فهو الذي أدلى بمعلومة أن الفكي حمد رجل التكينة كان يلقب "بالقصير" قاف مكسورة،وصاد منصوبة، وتشديد بالكسر على الياء
بسم الله الرحمن الرحيم
لا أريد الخوض في تاريخ هذا الرجل القامة بأفكار ٍ فطيرة غير محققة ،إلا أني أقول إنه لمن المتواتر بين كبارنا – جيل والدي ومن قبله – أن المسجد العتيق بالتكينة كان في يومٍ من الأيام منارة علمٍ للقاصدين ومورد معرفة يدلف إليه الناس من كافة أنحاء السودان لينهلوا من علومه القرآنية والشرعية نهلا،هذا المسجد لم يكن مجرد مكان تؤدى فيه الصلوات الخمس وكفى وإنما كان "مسيداً جامعاً" والمسيد الجامع هو في حقيقته مؤسسة اجتماعية شاملة تتوفر فيها البلغة والمسكن لطالب العلم ولابن السبيل على السواء،ويتوفر فيها العلم لمن أراده بل ويتوفر فيها العلاج لمن عانى من الأزمات النفسية وتقلبات الحدثان ،مؤسسة اجتماعية جامعة،ومنها كلمة جامع بمعنى الشمول ،هكذا كان المسجد العتيق.
لا أنسى في هذا الصدد -عندما كنت طالباً لدى شيخنا الفكي عبد الحي عليه رحمة الله- لا أنسى أثار المسجد القديم وأعمدته الطينية وكيف أننا كنا نتخذ منه مقراً لإنضاج بليلة الأربعاء ،فهو مسجد شيد من الطين الخالص وكل أعمدته شيدت من الطين كذلك مع أنه كان من السعة بمكان، وأذكر أنه كانت من حوله بقايا مباني متهالكة شيدت هي الأخرى من الطين علمت أنها كانت تتخذ سكناً لطلاب العلم وأبناء السبيل ممن تتقطع بهم الأسباب ،اذكر هذا جيداً،وقد أردت بإيقاف القارئ على هذه الأطلال أن أدلل على أن هذا المسجد كان في يومٍ من الأيام يضاهي مسيد ود عيسى ومسيد كترانج وإنه وإن كان أحدث منهما ولاحقٌ عليهما إلا أنه أعرق من مسيد أم ضبان وود الفادني "شرق" والشيخ أبوقرون ،ذلك أن مؤسس مسيد أم ضبان "الشيخ العبيد ود بدر"عاش على أيام الإمام المهدي عليه السلام وود الفادني والشيخ أبوقرون فروعٌ تابعة له في الطريقة القادرية، بينما مسيد التكينة ومسجدها العتيق سابق على ثورة الإمام المهدي بدلالة أنه من المتواتر أن المهدي نفسه مرَّ بالتكينة طالباً للعلم إلا أنه لم يقم فيها . "أي أنه مر َّ بها قبل أن يدعي لنفسه المهدية ويشتهر أمره بين الناس"
ومن المرجح عند أغلب أهل المنطقة أن هذا المسجد العتيق واشتهاره بنشر العلم والمعرفة كان السبب المباشر في إطلاق عبارة " يا طالب العلم إلى أين ** إلى بلدٍ يقال لها التكينة"،ذلك أن مسيد التكينة كان عامراً بطلاب العلم ونار قرآنه كانت متقدة تعانق أسباب السماء حتى قبل أيام الإمام المهدي وقد استمر هذا الإشعاع العلمي ينبثق من التكينة ويعم الأرجاء دهراً مديداً، ولا زال شهود اتقاد نار القرآن في المسجد العتيق يمشون بيننا أحياءً على قدم وساق ،فلله در من قاموا على هذا العمل الصالح ،ولله در من بذلوا أنفسهم في سبيل أن تبقى التكينة منارة من منارات الإشعاع العلمي. ومن هؤلاء الفكي حمد الملقب بالقصير1.
عذراً عن هذه التوطئة وعفواً لهذا الاستطراد ،فما قصدت به إلا أن يكون صوى طريقٍ سالكة لطرح أسئلةٍ جالت في ذهني زمناً طويلاً عن شخصية الفكي حمد وقد أردت التوسل بهذا الاستطراد إلى كل أهل التكينة وإلى كل من عنده أثارةً من علم أن يدلي بدلوه لكشف القناع عن هذه الشخصية العلمية الفذة،فمن هو الفكي حمد هذا الرجل الذي ذاع صيته في كل البلدان ولا نعرف نحن عنه شيئاً مع أن دمه الطاهر الشريف يجري في عروق البعض منا؟ ما نسبه؟ وكيف كانت نشأته؟ على من تتلمذ؟ ومن الذين تلقوا العلم عليه،كراماته...إلخ؟،إنها لأسئلة مهمة تنتظر الإجابة من كل من له انتماء لهذه القرية الجليلة؟.
في صدر هذا المقال قلت لا أريد الخوض في تاريخ هذا الرجل بأقوال فطيرة غير محققة ،ذلك أن المعرفة العلمية المنظمة توجب على الباحث في أي مجال من مجلاتها أن يأخذ بأسباب البحث وأدوات التحليل التي خبرتها البشرية واتخذتها وسيلة يتوصل بها إلى الحقيقة العلمية،وإلا فإن الكلام بغيرها يصبح غير مسئول،فللتاريخ أدواته في تحليل المعلومة وغربلة الوقائع لمعرفة ما هو مطابق للواقع وما هو بخلاف ذلك،لكن الذي ينقصنا في هذا الصدد ليس الأداة والوسيلة وإنما تنقصنا المعلومة نفسها ولو كانت ضرباً من الأساطير،فالفكي حمد ظل يكتنف تاريخه الغموض مع أننا شاهدنا بعضاً من الذين عاصروه ،شاهدنا بعضهم في عمر التسعين ،وهم رأوه في طور صباهم في أيام طفولتهم الأولى،فما الذي جعل تاريخه مجهولاً وهو منا بهذا القرب الزماني؟.
إنني في هذا الصدد لا أزعم أني أملك معرفةً بتاريخ هذه القامة العلمية ولا أدعي أني أملك جواباً على الأسئلة المهمة التي طرحتها فيما سبق حول هذه الشخصية وإنما فقط حفزني حب الاستطلاع - وأنا أسمع عن هذا العلم الشامخ – إلى أن أسعى إلى جمع بعض المادة العلمية حول هذا الرجل ،فقصدت بهذا المقال المقتضب أن ألفت الأنظار إلى هذا الجبل الذي جهلناه وأردت أن أحفر ولو قليلاً في سفحه الأدنى عسى أن أظفر ولو بذراتٍ تحوي شيئاً من معدنه النفيس ،أردت بهذا المقال أن أطلب المعونة من كل من له معرفة أو مادة عن هذه القامة العلمية عسى أن يكون في ذلك ما يساعد على التوثيق لتاريخ هذا الرجل بصورة تتفق مع الحقيقة،فلنعترف أننا أهل التكينة ظللنا نتعامل مع هذه الشخصية الفذة مثل ما نتعامل مع طائر العنقاء تماماً.كلمة نتناقلها بيننا لكن لا نعرف لها معنى سوى أنها رمز لعلمٍ طمر في ميتاتاريخنا "الفكي حمد" ؟
إنني كما ذكرت سابقاً لا أدعي عنه معرفة يقينية موثقة فأنا لا زلت أتعثر في سبيل الإمساك بطرف الخيط الذي يوصل إلى حقيقته ،ولا زلت ارتاد المجهول بهدف الكشف عن هذا العلم الشامخ الذي عمت شهرته أرجاء البلاد .
ولا أذيع سراً في هذا المقام إن قلت إنني قد حزَّ في نفسي جهالتي بهذا الرجل القامة وبلغ مني الحرج مبلغه حين سألني الأخ الأستاذ/ عثمان الخليفة يوسف بدر – وهو من المهتمين بتوثيق تاريخ رجال العلم وشيوخ الصوفية في السودان – وطلب مني تلخيصاً لسيرة الفكي حمد "القصير" ،نسبه ،نشأته ،على من تلقى العلم، من أشهر الذين تلقوا العلم على يديه ..إلخ؟،طلب مني ذلك حال كوني من أهل قرية التكينة،صدقوني لم أحر جواباً مع أنني تعلمت فك الحروف والكتابة في المسجد الذي باشر فيه هذا العالم الجليل التدريس والفتوى،ومع أنني لم انقطع عن صلاة الجمعة في هذا المسجد إلا بعد أن كتب الله عليَّ النأي والرحيل من بلدٍ ظلت ذكراها العطرة تجول في خاطري ليل نهار.
إن الذي أعرفه عن الفكي حمد قليل جداً وهو مجرد شاردات جاءت عفو الخاطر على فيه جدي الشيخ الطيب السمري،ولم أكن وقتئذٍ أهتم لهذا الموضوع،ومما ذكره جدي عليه رحمة الله أن الفكي حمد كان رجلاً ورعاً تقياً ،صوفياً في طريقته ،زاهداً في الدنيا ،شغوف بالعلم إلى درجة التفرغ، سمعت جدي يتحدث إلى بعضٍ من الملتفين حوله أنه في مرةٍ من المرات جاء رجل إلى الفكي حمد يستفتيه في مسألة تتعلق بالطلاق فلم يحر لها الشيخ جواباً،وقال للسائل الله أعلم ،لكن مُر علينا بعد ثلاثة شهور ، قال جدي: وعند الصباح فاجأنا الشيخ بالترتيب للسفر، فركبنا معه الدواب وحملنا بعضاً من الزاد وضربنا في بلاد الله نبحث عن حلٍ لهذه المسألة العويصة ،إلى أن وجد الشيخ ضالته عند رجل فقيه له مسيد بالقرب من القضارف "هكذا لم يسمه".
سمعت من جدي أيضاً وهو يتحدث إلى من هم حوله أنه كان تلميذاً صبيا لدى الفكي حمد ،وأنه صادف أن تعدى الناظر حسن ود عامر على أراضي تخص مسيد التكينة – هذا الكلام طبعاً قبل مشروع الجزيرة – وأن هذه الأراضي كانت تزرع مطرياً وأن حصادها كان هو مؤونة طلبة العلم في المسجد العتيق، قال جدي فقال لنا الفكي حمد حيا إلى الجهاد،فأخذنا عُددنا وما توفر لنا من سلاح "سيف ،عصا وشيء من هذا القبيل"، وعند وصولنا إلى الأرض محل النزاع فوجئنا بأن الناظر ود عامر أحضر معه عدداً من الجنود الأتراك فحاولنا المقاومة لكن ألقي القبض علينا جميعاً وأودعنا السجن في مركز الكاملين ،قال جدي: رأيت كرامةً بعيني للفكي حمد ،أنه عندما يأتي موعد الصلاة يقف أمام باب الحراسة ويؤذن فتنفتح أقفال الباب ثم نخرج ونصلي ونرجع معه ،قال إن الجنود خافوا من ذلك ،فأصبحوا يخرجوننا وقت الصلاة وأن المأمور جاء مرةً ووجدنا على هذا الوضع فانتهر الجنود فقصوا عليه القصة فلم يصدق إلا بعد أن رأى ما جرى بأم عينيه ،قال،فأكرم الفكي حمد وأطلق سراحنا جميعاً.
سمعت من جدي أيضاً قوله : إننا كنا في صلاة المغرب يؤمنا الفكي حمد فأتي رجلٌ سائحٌ غريب ،فوجدنا في الصلاة وصلى معنا، فلما فرغنا من الصلاة التفت إليَّ قائلاً " مالو شيخك كأني به ينظر إلى الكعبة ويصلي" ،قال فسمع الفكي حمد كلامه،وأنصرف الرجل إلى الراحة في الخلوة ،فقال لي الفكي حمد لماذا لم تقل له "عليَّ الطلاق شيخي ينظر ويشوف الكعبة ثم بعد ذلك يصلي". هذا ما سمعته من جدي نقلته كما هو،ولا تصرف إلا في صياغة العبارة بالفصحى بدلاً عن الدارجة.
لا شك أن مثل هذه الوقائع التي حكاها كبارنا عن هذا العلم الشامخ ،لا شك أنها تغري بتحقيق تاريخ هذا الرجل والبحث فيه، فأنا ما أردت بهذا المقال المقتضب إلا أن ألفت النظر وأحاول فتح كوةً في هرمٍ شامخ عسى أن يكون ذلك حافزاً إلى البحث عن تاريخ رجل ازدهر في عهده المسجد العتيق حتى أصبح قبلة لطلاب العلم من شتى أصقاع البلاد،وأناشد في هذا الصدد كل من لديه وثيقة أو معلومة عن هذا الرجل القامة أن يجود بها خدمةً للحقيقة وللتاريخ.
ولا يفوتني أن أوجه النداء إلى الذين آلت إليهم تركة هذا المسجد العتيق أن يجهدوا أنفسهم ولو قليلاً في سبر أغوار هذه الشخصية العلمية الفذة فنحن نرى الآن الأمم تنقب عن أمجادها في تاريخ عفى عليه الزمن واستغرقته ألافُ ألافٍ من السنين،فأجدر بنا نحن أن نبحث في هذا التاريخ القريب الذي ما زالت بعض أطلاله باقية.. وفي الأمثال الشعبية " من نِسى قديمو تاه" "والما عندو قديم ما عندو جديد".
هذا ما عنَّ لي وما وددت أن أقوله بصدد هذا الرجل القامة "الفكي حمد" .
هامش:
1- لم أقف على اللقب "القصير" إلا عند أخينا عثمان الخليفة يوسف بدر فهو الذي أدلى بمعلومة أن الفكي حمد رجل التكينة كان يلقب "بالقصير" قاف مكسورة،وصاد منصوبة، وتشديد بالكسر على الياء





























